يُشكّل النظام العالمي المتغير تحديًا كبيرًا للنظام المالي الدولي وتنظيمه. وينبغي أن يُعزز دور الجمعيات والاتحادات المالية الدولية التعاونَ والتماسك. وتُظهر التجربة التاريخية أنه في أعقاب الصدمات الاقتصادية أو حالات الأزمات، يحظى دور الجمعيات والمنظمات المالية الدولية بمزيد من الاهتمام والتقدير.
في عالم متعدد الأقطاب يشهد تراجعًا للعولمة، تتغير العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية التي كانت تعمل سابقًا على المستوى العالمي، وليس تجزؤ النظام المالي الدولي سببًا لذلك بل نتيجة حتمية له. وتبحث البنوك المركزية والمنظمات المالية الدولية عن سبل للحد من مخاطر هذا التطور. وثمة حاجة إلى التعاون الدولي وإلى الحد من الآثار السلبية عبر العمل الدولي المشترك، في حين أن الأنشطة التنظيمية الفاعلة للمنظمات المالية الدولية مقيّدة بتكتلات القوة الجيوسياسية.
وبطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن دور منظمات عالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التسويات الدولية ولجنة بازل – على سبيل المثال لا الحصر – ليس أساسيًا، ولكن في ظل النظام العالمي متعدد الأقطاب الناشئ، تُعطي عوامل القوة الأولوية لمصالحها الوطنية والإقليمية وتدافع عن سيادتها، وهو ما يعوق التماسك الدولي المطلوب في التنظيم المالي.
ويمكن للجمعيات المالية الدولية والمراكز المالية أن توفر هذا التماسك المالي الدولي المطلوب. وكما ذُكر، فقد استطاعت الولايات المتحدة الحفاظ على دورها الدولي الريادي، أما لندن فقد تراجع دورها بوصفها مركزًا ماليًا دوليًا تراجعًا كبيرًا تحت تأثير بريكست، وهو ما أثّر سلبًا بصورة مؤقتة في النظام المالي للاتحاد الأوروبي ودوره الدولي المستقبلي.
واستجابةً للوضع الذي أعقب بريكست، ركزت سلطات الاتحاد الأوروبي، وكذلك المراكز المالية في الاتحاد الأوروبي الممثَّلة في EU Roundtable of Financial Centers (وهو فرع إقليمي للتحالف العالمي للمراكز المالية الدولية)، على تعزيز القدرة التنافسية للأسواق المالية في الاتحاد الأوروبي.
وتُعد EU Roundtable of Financial Centers مبادرةً لتعزيز إنشاء سوق مالية مشتركة في الاتحاد الأوروبي، وتقوية التعاون والتبادل في مجال الخدمات المالية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وقد وقّعت إحدى عشرة منظمة تمثل المراكز المالية والاتحادات في الاتحاد الأوروبي من ثماني دول أعضاء مذكرةَ تفاهم.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى Frankfurt Main Finance التي تأسست عام 2008 لتكون صوت المركز المالي في فرانكفورت في ألمانيا ومنطقة اليورو. وتضم Frankfurt Main Finance أكثر من 75 عضوًا.
كما تعززت المكانة المالية الدولية للاتحاد الأوروبي بصورة غير مباشرة بتأسيس التحالف العالمي للمراكز المالية الدولية في بروكسل عام 2018، الذي يمثل أكبر المراكز المالية في العالم ويضطلع بمهمة تعزيز التعاون المالي الدولي. ونذكر كذلك الاتحاد المصرفي الأوروبي والاتحاد المصرفي الدولي (IBFed) بوصفهما جمعيتين ماليتين دوليتين مهمتين. وتتمثل مهمتهما في أن يكونا جسرًا بين السلطات النقدية والتنظيمية والأوساط المصرفية في العالم المالي متعدد الأقطاب، وفي تبادل أفضل الممارسات، والسعي إلى إحياء التعاون المالي العالمي.
ومن السمات والمزايا المهمة لهذه المنظمات أنها جمعيات مالية مهنية غير سياسية وغير ربحية، تتيح إمكانية العمل على إعادة بناء التماسك المالي الدولي. ومن المنتظر أن تجعل مجموعة بريكس نظام الحوكمة العالمية أكثر عدلًا. ولهذا القول وزن كبير، إذ تمثل دول بريكس أكثر من 40 في المائة من سكان العالم ونحو 26 في المائة من الاقتصاد العالمي.
وفي ضوء استعراض كل هذه التطورات العالمية، ازداد دور Asian Financial Cooperation Association (AFCA) ورسالتها زيادة كبيرة. ونتيجة لإعداد متأنٍّ، تأسست منظمتنا AFCA في مايو 2017، وأقرّت الجمعية العامة التأسيسية النظام الأساسي للجمعية.
وقد كان توقيت المبادرة وتأسيس AFCA ممتازًا، إذ كان الجزء الأصعب من الأزمة المالية العالمية قد انقضى بحلول ذلك الوقت، وكان المجتمع الاقتصادي الدولي يسعى إلى استعادة النمو الاقتصادي المستدام وتمويله الآمن، ولهذا السبب أُطلقت اتفاقيات تعاون إقليمي دولي واستُكملت بنجاح في أنحاء عدة من العالم. وفي هذا المناخ المواتي، لقيت رؤية AFCA ورسالتها: الترابط، والتعاون، والحوكمة المشتركة، والمنافع المتبادلة، استحسانًا واسعًا. ووافق عدد كبير من المؤسسات المالية والجمعيات والبنوك المرموقة على إنشاء منصة مشتركة لتيسير التعاون المالي الدولي والإقليمي.
وبحلول ذلك الوقت، كانت الغيوم تتلبد في أفق العلاقات الاقتصادية والمالية الدولية العالمية، إذ كان العالم متعدد الأطراف السابق يتحول إلى عالم متعدد الأقطاب، ومن هذا المنظور اكتسب دور AFCA أهمية أكبر في تعزيز التكامل والتعاون وفتح بوابات جديدة. وقد حظيت انطلاقة AFCA الناجحة وبناؤها بدعم قوي من مبادرة الحزام والطريق التي أُطلقت قبل عشر سنوات، في عام 2013. وفي إطار AFCA، يُعد تقدم العمل المتصل بالحزام والطريق محركًا رئيسيًا و«بنّاءً» لشبكة تعاون مالي دولي متينة.
السيرة الذاتية للخبير
بدأ السيد يانوش مولر، الزميل في Asian Financial Cooperation Association Think Tankers Committee، حياته المهنية باحثًا في معهد العلوم الاقتصادية. ومنذ عام 1970، عمل مديرًا في إدارة السياسة الائتمانية في البنك الوطني المجري. وفي الفترة 1972-73، كان أستاذًا مساعدًا في جامعة ميزوري بمدينة كولومبيا، في مجال الدراسات الاقتصادية المقارنة. ومنذ عام 1973، شغل منصب رئيس قسم السياسة الاقتصادية والتجارة الخارجية وأنظمة الصرف الأجنبي في وزارة التجارة، ثم كبير المستشارين التجاريين في ستوكهولم؛ وكبير ممثلي MKB Bank في شمال أوروبا ودول البلطيق؛ ورئيس Foreign Bankers Association في السويد. ومنذ عام 1998، شغل منصب المدير التنفيذي لـMKB Bank Ltd (بودابست) وعضو مجلس الإدارة التنفيذية؛ ورئيس مجلس الرقابة في Convest Banka في زغرب (كرواتيا)، وهو مصرف تابع لـMKB Bank. وفي الفترة 2006-2013، كان كبير المستشارين في جمعية المصارف المجرية، وفي الفترة 2007-2013 في الاتحاد المصرفي الأوروبي - EBF (بروكسل)، رئيسًا للجنة الاتصال، وعضوًا في لجنة الشؤون الاقتصادية والنقدية. وفي الفترة 2010-2018، كان عضوًا في مجلس إدارة Bank of China Hungary Ltd.
نبذة عن AFCA وAFTTC
تأسست Asian Financial Cooperation Association (AFCA) في مايو 2017. وهي أول منظمة اجتماعية مالية دولية تطلقها الصين. وتتألف Asian Financial Cooperation Association Think Tankers Committee (AFTTC) من أكثر من مائة خبير محلي وأجنبي من أكثر من أربعين دولة ومنطقة. وانطلاقًا من فلسفة «التموضع في السوق، والمنظور العالمي، والتوجه نحو المشكلات، والملاحظة المتعمقة، والحلول الذكية»، أعدّت AFTTC إصدارات AFCA working papers وAsian Financial Observation وFinancial Development Report for the Guangdong-Hong Kong-Macao Greater Bay Area وغيرها من الإصدارات ثنائية اللغة، ونظّمت ندوات فصلية ومنتديات سنوية وغيرها من الأنشطة المالية رفيعة المستوى، موجّهةً رسالة آسيوية قوية باستمرار على الساحة الدولية.
تعبّر المقالات المنشورة هنا عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن آراء World Alliance.