← آراء
3 يناير 2024

الاتجاهات التي تقود مستقبل التمويل في عام 2024

يشهد عالم التمويل تحولًا كبيرًا مع استمرار الابتكار في إحداث ثورة في هذا القطاع. ونتوقع خلال عام 2024 أن يؤدي الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والحوسبة السحابية دورًا كبيرًا في قيادة مستقبل التمويل.

بدأت الرقمنة وتبلور مفهوم الاقتصادات الرقمية في عقد 1990، واكتسبت زخمًا خلال طفرة شركات الإنترنت. وأعقب هذا الزخم المتسارع ركودٌ نحو عام 2001. وفي تلك المرحلة، كانت الشركات المالية الأكثر رسوخًا من أوائل المتبنين – إذ طوّرت خدمات الصيرفة عبر الإنترنت والصيرفة عبر الهاتف المحمول.

واليوم، تظل المبادئ ذاتها – إذ تُبنى الاقتصادات الرقمية باستخدام التكنولوجيا لتيسير تبادل المعلومات والسلع والخدمات والمعاملات، وكلها تحتاج إلى حلول تمويل ومدفوعات تُمكّنها.

إذن، كيف تُبنى الاقتصادات الرقمية؟ تُمكّنها الحكومات والبنوك المركزية والجهات التنظيمية والمراكز المالية الدولية التي تضع الأطر والقوانين واللوائح لتحفيز الابتكار المالي في الاقتصادات الرقمية، بل وتقديم حوافز له في بعض الحالات. ويبدأ التحفيز حين تُوفَّر للمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا المالية والشركات الناشئة وغيرها من الشركات بيئةٌ آمنة لاختبار الأفكار والحلول الجديدة. وهنا تبرز فائدة مفهوم البيئات التجريبية التنظيمية، المنتشر على نطاق واسع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومن المحفزات الأخرى للتحول الرقمي تغيّر سلوكيات العملاء والمستهلكين. فقد شهدنا التكنولوجيا الرقمية تكتسب زخمًا إضافيًا خلال الجائحة. وعلى مقربة منا، كانت دبي – والإمارات العربية المتحدة عمومًا – من أوائل الدول في العالم النامي التي تبنّت استراتيجية رقمية ترسّخ ثقافة الابتكار.

علاوة على ذلك، شكّلت ثقافة الابتكار الأساس الذي دفع مركز دبي المالي العالمي إلى بناء المنظومة الأشمل في المنطقة للتكنولوجيا المالية والابتكار، والتي تضم حاليًا أكثر من 800 شركة تتراوح بين الشركات الناشئة والشركات العالمية أحادية القرن (يونيكورن).

وفي مركز دبي المالي العالمي، يُعد الابتكار ركيزة أساسية للتقدم. وبعد التشاور مع أكثر من 4,900 شركة تتخذ من المركز محفزًا لنموها، يظل الإجماع قائمًا حول ثلاثة اتجاهات ستقود مستقبل التمويل: الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والحوسبة السحابية.

تطبيق الذكاء الاصطناعي

في قطاع التمويل، الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد فكرة. فاليوم يُستخدم الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع لمكافحة الجرائم المالية. ويُحسّن برنامج Mastercard Global Cyber Forward، الذي أُطلق بالتعاون مع مركز دبي المالي العالمي، الجاهزيةَ للتعامل مع التهديدات السيبرانية. وتتناول عناصر البرنامج إمكانات الذكاء الاصطناعي، وتبني على منصة استخبارات التهديدات التي أُطلقت مع سلطة دبي للخدمات المالية في عام 2020.

والذكاء الاصطناعي عامل تمكين كبير في تبسيط العمليات التجارية لجعلها أكثر مرونة. فعلى سبيل المثال، أطلق Dubai AI and Web3 Campus التابع لمركز دبي المالي العالمي مؤخرًا برنامج التحول بالذكاء الاصطناعي، وهو مسرّع أعمال مؤسسي قابل للتخصيص إلى حد كبير، بهدف تحصين الشركات في المنطقة للمستقبل من خلال تعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي. وستعزز هذه المبادرة قدرات دبي على المنافسة على نطاق عالمي في استقطاب المواهب والابتكار وتنمية اقتصادها.

البيانات هي الأساس

يعكس المدى الكامل لرقمنة الخدمات المالية قوة البيانات التي تمتلكها المؤسسة وجودتها، من أجل تقييم المخاطر، ونمذجة الميل الشرائي لمبيعات المنتجات، والتسعير، وإعداد الحملات التسويقية، وبناء العلاقات، ودعم اتخاذ القرار. غير أنه في حين يجب أن تكون البيانات واسعة النطاق، فإن عملية استخدامها تنطوي على اعتبارات مهمة منها خصوصية البيانات وحوكمتها. وفي ضوء رؤية مركز دبي المالي العالمي لقيادة مستقبل التمويل، أدرك المركز ذلك مبكرًا وسنّ أولى لوائح خصوصية البيانات في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا التي تأخذ في الاعتبار الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. وبوصفه مركزًا ماليًا راسخًا منذ 20 عامًا، فإن قوانين خصوصية البيانات في مركز دبي المالي العالمي هي الأكثر تقدمًا في المنطقة وتعكس أعلى المعايير الدولية. وإضافة إلى ذلك، يتمتع المركز بقوانين قوية للملكية الفكرية تتيح حماية الأفكار حين ترغب الشركات في تطوير حلول مبتكرة.

وبالنظر إلى المستقبل، يجب أن تأخذ المعالجة الأخلاقية للبيانات في الاعتبار الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. ويعمل مركز دبي المالي العالمي حاليًا على إعداد حالات استخدام لاختبارها من خلال التشاور والتفتيش والرقابة.

الانتقال إلى الحوسبة السحابية يكتسب زخمًا

بوصفها تطبيقًا يُيسّر الوصول إلى التخزين عن بُعد وأصول البيانات، كان ينبغي أن تكون تكنولوجيا الحوسبة السحابية اتجاهًا سريع الانتشار في قطاع التمويل والصيرفة. غير أن تبني الحوسبة السحابية في القطاع المالي لا يزال بطيئًا نسبيًا، وذلك فقط بسبب التعقيدات التي ينطوي عليها. ففي الغالب، كان أوائل المتبنين لتكنولوجيا الحوسبة السحابية بنوكًا جديدة تتبع نهج الأولوية للرقمنة، أو بنوكًا تقليدية تمر بتحول رقمي كبير. ويتطلب الانتقال إلى منصة سحابية التثقيف والتكامل بين الفرق لجمع فرق تطوير المنتجات والتسويق والمخاطر والامتثال وتكنولوجيا المعلومات. وفي حين لا يزال كثير من الفاعلين في قطاع الخدمات المالية يختارون مراكز البيانات لتخزين بياناتهم، اختارت شركات عدة تقنيات الحوسبة السحابية لتلبية احتياجاتها في تخزين البيانات.

ومن إعادة الهيكلة التنظيمية، إلى الكفاءات التشغيلية، واتخاذ القرارات المستنيرة، وتخطيط المنتجات، فإن مزايا الذكاء الاصطناعي والبيانات وتكنولوجيا الحوسبة السحابية عديدة. ولدى قادة التمويل ومقدمي الخدمات المالية الكثير ليتعلموه قبل الشروع في هذه الرحلة لاستثمار الفرص الاستراتيجية من خلال الابتكار. والواضح أن الابتكار هو ما يقود التقدم في نهاية المطاف، ومن ثم مستقبل التمويل.

تعبّر المقالات المنشورة هنا عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن آراء World Alliance.